
يبلغ عدد سكان مخيم شعفاط، التابع إداريا لبلدية القدس، أكثر من 70 ألف نسمة من حملة الهوية الزرقاء، ولخدمتهم يوجد صرّاف آلي واحد. “أقيم في مخيم شعفاط، حيث لا يوجد سوى آلة صراف آلي واحدة غير كافية لعدد السكان الكبير. وإن أردتُ التوجه إلى القدس لاستخدم الصرافّات الآلي التابعة لبنك هبوعليم، البنك الذي أمتلك حسابًا لديه، يستغرقني ذلك ساعة ونصف” يشرح محمد علي (45 عامًا) معاناته المستمرة مع قضية سحب النقود من الصرافات الآلية.
“لا تقتصر المشكلة على ندرة الصرافات الآلية في شرقي القدس، إذ يعاني المقدسيون أيضًا من ارتفاع العمولات المستحقة على سحب الأموال، وارتفاع هوامش الفائدة المفروضة، وقلة عدد فروع البنوك التي تخدمهم”.
يقول مهند عناتي، الباحث الميداني في جمعية حقوق المواطن، ويضيف: “تلقت جمعيتنا العديد من الشكاوى من المقدسيين بهذا الصدد، حيث لا تعتبرهم البنوك زبائن بالمعنى الحقيقي للكلمة. وتعمل جمعيتنا على تقديم الاستشارات لهم حول الخدمات المصرفية، والتي تُعدّ من أساسيات الحياة اليومية التي تتيح العمل والتعليم والسكن. فبدون الخدمات المصرفية الأساسية، يواجه المواطنون صعوبةً بالغة في استئجار شقة مثلًا، أو دفع تكاليف الرعاية اليومية للأطفال. وعند إغلاق فرع بنكي في إحدى المناطق، يضطر الناس إلى استخدام الصرافات الآلية الخاصة التي لا تتبع للبنوك، مقابل عمولات باهظة، أو تحمّل مشاقّ السفر إلى بلدةٍ أو مدينة يهودية مجاورة”.
نفور متبادل
“بالنسبة للبنوك الإسرائيلية التجارية، لا تعتبر القدس الشرقية سوقًا يستحق المنافسة لتقديم الخدمات البنكية للزبائن”، يقول عرب عبد الرحمن، مستشار في مجال الخدمات المالية، “لهذا لا نرى أي فروع جديدة لها أو أي خدمات مخصصة لهذا الجمهور. يُضاف إلى ذلك خوف البنوك من الاضطرابات السياسية والأمنية واستهداف المحتجين أحياناً للمؤسسات الإسرائيلية، مثل محطات القطار ومؤسسات الخدمات المختلفة، وهو ما يزيد من المخاوف الأمنية لدى البنوك، ويحدّ من انتشارها.”
إضافة إلى خشية البنوك من تعرّض نشاطها للضرر، تتعدد العوامل التي تقلل من حوافز البنوك على فتح فروع لها في القدس الشرقية، من ضمنها ظاهرة “الاقتصاد الأسود” الذي يتواجد بقوة في القدس الشرقية. “التعامل بالأموال النقدية هو التعامل الأكثر شيوعًا بين سكان القدس” يقول عبد الرحمن، “قسم كبير من الناس يفضلون الابتعاد عن البنوك لعدم كشف حجم نشاطتهم التجاري أو المالي لعيون السلطات. وأيضا يجب أن نتذكر أن معدلات الأجور في القدس الشرقية منخفضة جدا. كل هذه الأسباب تجعل هذا السوق غير مُغر للبنوك التجارية الإسرائيلية.”

عبد الرحمن يؤكد أيضًا على سبب آخر مهم لضعف الخدمات البنكية في القدس الشرقية وهو السبب الديني. “غالبية سكان القدس الشرقية مسلمون، بالنسبة للكثيرين منهم التعامل مع البنوك التجارية يعني التعامل بالربا وهذا من المحرمات” ويضيف بأن هذا السبب والمشاكل الأخرى المرتبطة بإشكاليات وتحديات تسجيل العقارات وحقوق الملكية، جعلت موضوع القروض عموما والقروض الإسكانية (المشكنتا) خصوصاً أمراً في غاية التعقيد وسببا آخراً لابتعاد البنوك الإسرائيلية عن القدس الشرقية.
40% من السكان، 4% من الفروع
الاقتصادي محمود أبو سنينة يشير إلى دراسة مشتركة أجراها بنك إسرائيل ووزارة الرفاه الاجتماعي، أظهرت وجود 105 فروع بنكية في مدينة القدس، منها 101 فرع في القدس الغربية مقابل 4 فروع فقط في القدس الشرقية. مقابل عشرة فروع لبنك مركنتيل في القدس الغربية يوجد فرع واحد في القدس الشرقية. في بنك هبوعليم النسبة 17 إلى 1، وفي ديسكونت 14 إلى 1. بنك لؤمي، البنك الأكبر في البلاد، فإنه يُشغّل 16 فرعا في الجهة الغربية مقابل فرع واحد فقط في الشرقية. ومقابل عشرات الصرافات الآلية التي تُشغّلها هذه البنوك في القدس الغربية، فإنها لا تشغّل سوى أربعة صرافات في القدس الشرقية، يُضاف إليها صراف آلي تابع لبنك يروشلايم يعمل في بيت حنينا. خمسة صرافات آلية لخدمة أكثر من 400 ألف مواطن. “أظهرت الاحصاءات الأخيرة أن 27% من السكان العرب في القدس الشرقية لا يمتلكون حسابات بنكية، أو يعتمدون في أحسن الأحوال على بنوك البريد”. يقول أبو سنينة.

وبحسب أبو سنينة لا تقتصر المشكلة على عدد الصرافات بل أيضا على انتشارها وعلى إتاحتها لغويًا. فروع البنوك الأربعة الوحيدة في القدس الشرقية تتركز جميعها في منطقة واحدة، بالقرب من باب العامود وشارع صلاح الدين، بعيدًا عن بقية بلدات القدس ذات الكثافة السكانية العالية، مثل بيت حنينا وشعفاط ومخيمها وكفر عقب. وأضيفي إلى ذلك غياب الخدمات الرقمية البنكية المناسبة للزبائن العرب، مثل الترجمة إلى اللغة العربية، حيث تفتقر كلّ التطبيقات البنكيّة إلى الترجمة العربية، وتوجد فقط لدى بعض المواقع الإلكترونيّة للبنوك، ما يصعّب على المقدسيين الوصول إلى العديد من الخدمات البنكيّة، نظرًا لعدم معرفة معظمهم اللغة العبريّة.”

وشدد أبو سنينة على أن بنك إسرائيل يعمل حاليًا على تحويل معظم الخدمات البنكية إلى خدمات رقمية بالكامل، ما يقلل الحاجة إلى فروع تقليدية، وقد ظهرت بنوكٌ تعمل في الفضاء الرقميّ فقط، مثل”زيرو ون”، مع التوجه نحو اعتماد الشيكل الرقمي مستقبلًا. “هذا التوجه العام يعني أيضا أن البنوك لن تفكر في فتح أي فروع أخرى لها في القدس الشرقية في المستقبل القريب“.
“لا حاجة للبنوك إلى زبونٍ مثلي”
يصّر يوسف بحبح (69) من سكان بيت حنينا على سحب النقود من صرافات البنوك فقط. “سحب النقود من الصرافات الآلية الخاصة يعني دفع عمولة 8-9 شيكل على كل عملية سحب، وهذا أغلى بكثير من عمولة السحب من صراف آلي تابع لبنك.”
وعن صعوبة الوصول إلى أقرب صراف آلي في منطقته، يقول يوسف: “أقرب صراف آلي بنكي بالنسبة لي موجود في مستوطنة بسغات زئيف، حيث يتوجب علي دفع ما يقارب 4 شواكل لكل ثلاث دقائق لركن سيارتي كي لا أحصل على مخالفة. تعاني الصرافات الآلية التابعة لبنك هبوعليم من عدم توفر المال فيها نهاية الأسبوع، ومن أعطال مستمرّة، حيث ابتلع الصراف بطاقة ائتماني مرتين، ولم أتلقَ أي تسهيلات بحكم سنّي”.
ويُلخّص يوسف علاقته بالبنوك قائلًا: “دائمًا أشعر عند تعاملي مع البنوك بأنّني من أحتاج البنك، ولا حاجة للبنك إلى زبونٍ مثلي!”.
من جهته يشرح نور الدين نشاشيبي (32 عامًا) صاحب مقهى في البلدة القديمة محاولته توفير صراف آلي في منطقته: “أحتاج الصراف الالي ثلاث مرات شهريًا، وأستخدم فقط الصرافات التابعة للبنوك نظرًا لانخفاض عمولتها. لا يوجد بالبلدة القديمة صرافات تابعة للبنوك، فكرت بإحضار واحدٍ تابعٍ لبنك لئومي بشكل مباشر لحل هذه المشكلة وكنوعٍ من الاسثتمار لي. لكني لم أنجح، بسبب عدم توفر خيار التعامل بشكل مباشر مع البنك، بل مع شركات خاصة تفرض نسب عمولات عالية جدًا”.
محمد علي، أحد سكان مخيم شعفاط، يصف معاناته مع الصرافات الآلية: “أحيانًا، لا أجد أموالًا أصلًا في الصرافات الآلية في القدس، خصوصًا في العاشر من كلّ شهر وأيّام الأعياد، وأحيانًا أخرى تكون الآلة معطّلة. وإذا استطعتُ أخيرًا السحب، فعليّ أن أدفع عمولةً تصل إلى 15 شيكل. لكنّ المشكلة الأكبر هي عدم وجود أماكن لركن السيارة، وهي مشكلة تعاني منها القدس بشكلٍ كبير، فبعد أن أعود إلى سيارتي حاملًا الأموال التي سحبتها، أكتشفُ في كثيرٍ من الأحيان، أنّي تلقيتُ مخالفةً توازي قيمتها ما سحبته“.
حلول تل أبيب تصلح للقدس أيضًا
لحل مشكلة قلة الفروع وأجهزة الصراف الآلي في شرقي القدس، يقترح محمود أبو سنينة إنشاء ما يُعرف بـ”البنوك المتنقلة”، وهي شاحنات متنقلة تقدم خدمات مصرفية ومالية للزبائن في أماكن وجودهم، وفق جدول محدد من الأيام والأوقات. وأشار إلى أن هذا النموذج مُطبق بشكل واسع في القدس الغربية، حيث تستخدم البنوك هذه الشاحنات لتوفير الخدمات للمسنين في دور الرعاية، الذين يجدون صعوبة في القيام بالعمليات المصرفية التقليدية.
كما لفت أبو سنينة إلى وجود مبادرة مماثلة ظهرت في السبعينات، تُعرف بالخدمة المصرفية العكسية (Drive-In)، حيث يتمكن الزبائن من الوصول إلى الصراف الآلي باستخدام سياراتهم. وأوضح أن هذا النموذج تم تطبيقه مؤخرًا في تل أبيب، من خلال افتتاح فرع يعمل بمفهوم جديد يتيح للزبائن تلقي الخدمات دون الحاجة إلى مغادرة سياراتهم، حيث يكتفي الزبون بفتح نافذة السيارة لإتمام العمليات المصرفية بسهولة وسرعة.
وفي هذا الصدد، أكّدت سهير زعاترة، مديرة سابقة في بنك لؤمي، بأنّ البنوك تهتمّ دائمًا بأرباحها من سكان منطقة معينة وليس بأعدادهم، وأضافت: “في رحافيا مثلًا، وهي منطقة صغيرة بالقدس الغربية، يتوفر فيها أكثر من فرعٍ بنكيّ وعدة صرافات آلية، لأنّ سكانها مربحون للبنوك. بشكلٍ عام، تتركز أغلب الفروع والصرافات الآلية في الأماكن التي يتوفر فيها الزبائن بكثرة، مثل مراكز التسوق الرئيسية، ما يزيد من أرباح البنوك، حيث يحصل البنك على أرباحه من خلال بيع القروض والتوفيرات.”

نوهت زعاترة على إمكانية الضغط على البنوك لزيادة عدد الصرافات الآلية، لكنها أكدت في الوقت ذاته أنّ ذلك يتطلب جهدًا ومالًا إضافيًا من البنك، حيث تحتاج الصرافات لمن يقوم بتشغيلها ومتابعتها وصيانتها واذا تم وضع صرافات الية تابعة للبنوك بعيدًا عن البنك الرئيسي يتم احتساب عدد الأمتار، ما يزيد من العمولة المفروضة عن السحب. وتضيف زعاترة: “عند زيادة عدد الصرافات الآلية التابعة للبنوك، يكون ربح البنك من آلة واحدة على سبيل المثال ما يقارب خمسة آلاف شيكل شهريًا. لا يعتبر ذلك ربحًا كافيًا للبنك، إضافة الى تكبد خسائر صيانة الآلات، ومخاطر تعرضها لمحاولات السرقة أو التخريب. البنوك غير معنية بفتح فروع لها في أماكن غير مستقرة وتحتاج لمتابعة مستمرة، وتُفضّل أماكن مربحة وأمنة.”
ردّ البنوك
توجهنا لعدد من البنوك للحصول على ردهم بخصوص ندرة فروعهم وصرافاتهم الآلية في القدس الشرقية. الرد الوحيد وصلنا من بنك هبوعليم وقال فيه بأن فروعه منتشرة بشكل يلبي احتياجات الزبائن بشكل مناسب، مع توفير مجموعة متنوعة من الخيارات التي تشمل خدمة شخصية وإنسانية بساعات عمل مرنة، بالإضافة إلى إمكانية الوصول من أي مكان، بما في ذلك الاجتماعات الهاتفية والقنوات المباشرة. وذكر البنك أن لديه حاليًا 14 فرعًا موزعة في أنحاء القدس، من بينها فرع في القدس الشرقية يحتوي على 5 أجهزة صراف آلي. تتيح هذه الأجهزة تنفيذ مجموعة واسعة من العمليات، مثل سحب وإيداع النقود، وإيداع الشيكات، والحصول على مطبوعات المعلومات، إلى جانب تنفيذ عمليات أخرى إضافية. كما أكد البنك أنه يحرص على التأكد من توفر الأجهزة وصيانتها بشكل منتظم لضمان عملها بكفاءة.
لم يصلنا أي رد من بنك لؤمي ومن بنك مركنتيل.
من جهته أوضح بنك إسرائيل أن قرار فتح فرع لأي بنك هو قرار تجاري يتخذه البنك نفسه، دون تدخل من بنك إسرائيل. كما بيّن أنه عند افتتاح فرع جديد، من الضروري توفير صراف آلي بالقرب منه. وأضاف بنك إسرائيل في ردّه على أسئلتنا أن هناك آلات صراف آلي غير تابعة للبنوك تعمل في إسرائيل، ويبلغ عددها ضعف عدد تلك التابعة للبنوك. ومع ذلك، لا تتوفر بيانات دقيقة عن التوزيع الجغرافي لتلك الماكينات.
مقالات ذات صلة: أزمة السكن بالقدس… كابوس يلاحق الأزواج الشابة العربية بلا حلول تلوح بالأفق